ملا نعيما العرفي الطالقاني
23
منهج الرشاد في معرفة المعاد
البدن وأعضاءه دائم الذوبان والسيلان وذات الإنسان منذ أول الصّبا إلى آخر العمر باقية فهي غيرها ، بل هي مجرّدة عن المادّة ، وأمثال ذلك من الدلائل التي أقاموها على ذلك ، جارية في نفوس الحيوانات أيضا ، فأثبت بزعمه بذلك تجرّدها أيضا ثمّ جعل شعورها بذاتها مميّزة لها بعد خراب البدن . وقد عرفت فيما سبق أنّ التعويل في تجرّد النفس الإنسانيّة إنّما هو على الدلائل التي تجري فيها ، ولا تجري في غيرها من نفوس سائر الحيوانات ، فتذكّر . وسيجيء ذكر الخلاف في حشر الحيوانات ، وتحقيق الحقّ فيه ، فانتظر . وهذا الذي ذكرناه كلّه ، إنّما هو الكلام في البرهان الذي أقامه الشيخ على هذا المطلب ، أعني حدوث النفس الإنسانيّة بحدوث البدن ، إلّا أنّ القوم ذكروا براهين اخر أيضا عليه ، لا بأس بنقل نبذ منها وتحريرها : منها أنّه لا سترة في أنّ النّفس الإنسانيّة التي هي مجرّدة عن المادّة لو كانت موجودة قبل البدن ، ثمّ حدث لها التعلّق به كان تعلّقها به لحوق عارض غريب به ، وقد تقرّر عندهم أنّ كلّ مجرّد عن المادّة لا يلحقه عارض غريب ، لما حقّق أنّ لحوق عارض غريب لشيء لا يكون إلّا من جهة قوّته واستعداده له ، وأنّ جهة القوّة والاستعداد راجعة إلى أمر هو في ذاته قوّة صرفة تتحصّل بالصور المقوّمة له ، وما هو إلّا الهيولى الجرمانيّة ، فيلزم من فرض تجرّد النفس الإنسانيّة عن المادّة اقترانها بها ، هذا خلف . فإذن تكون حادثة بحدوث البدن ، وهو المطلوب . لا يقال : لعلّ النّفس الإنسانيّة كانت موجودة قبل هذا البدن الإنسانيّ ، وكانت في ضمن أبدان جسمانيّة عنصريّة أو مطلقا حادثة بحدوثها ، وكلّما فارقت بدنا من تلك الأبدان الجسمانيّة حدث بدن آخر فتعلّقت به ، إلى أن انتهت النوبة إلى هذا البدن العنصريّ الإنسانيّ . لأنّا نقول : هذا باطل ، لأنّه تناسخ ، وسيأتي بطلانه . لا يقال : لعلّها كانت موجودة قبل البدن الإنسانيّ العنصريّ في ضمن بدن مثاليّ نورانيّ ، ثمّ حصلت في ضمن البدن العنصريّ ، إمّا مع ذلك البدن المثاليّ النورانيّ ، حيث إنّ